
كان الحاسب الآلى فى بداية اختراعه جهازا معقدا فى صنعته ، معقدا فى لغته ، معقدا فى التعامل معه ، يلزمه التدريب الخاص ، للمدد الطويلة .
ثم بعد أن أصبح ميسرا للجميع ، بلغت تطبيقاته فى كل مجالات الحياة حدا يفوق كل تصور ، فساهم فى تقدم الانسانية بخطى مذهلة ، حتى يمكن القول بأنه يكاد يكون من المستحيل تصور شكل الحياة اليوم وغدا ، بدون حاسب آلى .
ان ابنى حين بلغ الخامسة وقبل أن يتعلم القراءة والكتابة كان يقوم بتشغيل هذا الجهاز وحده ، ويختار من برامج الألعاب لعبة يتعامل مع تعليماتها ،فى نفس الوقت الذى يختار فيه مجموعة الألحان لتذاع أثناء اللعب بالتسلسل ، ودرجة الصوت التى تعجبه .
وعلى الجانب الآخر ، لم يحاول بعض من الناس الاقتراب من الجهاز العجيب ، ولا التكيف معه ، بل هم ليسوا على استعداد للتعامل معه بأنفسهم والاستفادة من امكانياته.
ماذا يحدث لو بلغ التعامل مع كتاب الله من اليسر ، ما بلغه التعامل مع جهاز الحاسب الآلى ، بحيث يصبح الكتاب ميسرا للذكر كما أراد الله له ، وكثر المدكرون ، كل فى مجاله ، يأخذ منه قدر طاقته ، وحسب خبرته ، فيستفيد ويفيد ؟.
اننى أعتقد أن طفرة غير متصورة سوف تحدث لكل مناحى الحياة ، فالكتاب الذى أودع الله فيه سنته التى أبدعها ، وخلق بها الكون وماحوى ، ثم فاعل بين هذه السنن وسجل فيه نتائج هذا التفاعل فى وصف ظواهر الكون ، وخصائص الخلق ، وفى أحسن القصص ؛ هذا الكتاب لو تناوله الناس بالتلاوة كلمة تلو كلمة وآية تلو آية ، ثم بالترتيل رتلا رتلا من المعانى والمواضيع ، ثم بالقراءة العقلية والفهم ، ثم بالتدبر لكل حرف فيه وكل مثل ، لو حدث هذا فانه سيكون هدى للناس فى العمل على تطوير الدنيا والتقدم بها نحو كمال الزخرف والزينة ، حتى يظنوا أنهم قادرون عليها .
يقول الله تعالى (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)) (سورة القمر)
ويقول (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)) (سورة محمد)
فهل هذه الآيات موجهة لخاصة علماء المسلمين أم انها موجهة لكل مسلم ؟
هل سيسأل الله يوم القيامة كل مسلم عن القرآن وتدبره ، أم أن هذا السؤال سيقتصر على علماء التفسير والفقه ؟ وهل يحب هؤلاء العلماء أن يقتنصر القاء المسئولية عليهم ؟ وهل لايحتاج القرآن فى فهمه وتدبره الى العلوم والآداب والخبرات المختلفة؟
هل يمكن لعالم فى التفسير أن يفهم آيات خلق الانسان دون الرجوع الى طبيب متخصص فى التوليد وعالم متخصص فى علم الأجنة ؟ وهل يمكن لهذا الطبيب أو ذلك العالم أن يفهموا تلك الآيات دون ادراك لمعانى ألفاظها ولغتها ؟
ان كتاب الله يحتاج الى تظافر الجهود كلها ، فيقدم عالم اللغة علمه وفهمه لكتاب الله بطريقة ميسرة للناس أجمعين ، ويقدم عالم التفسير وجهة نظره مع أمانة عرض مصادره
ثم يسلم كتاب الله الى كل مسلم ليتدبره ويحاول فهمه واستخراج ما به من كنوز ، خاصة تلك التى لا يتداولها الناس ،
فمن بين نيف وستة آلاف أية فى كتاب الله ، يتداول المسلمون فى ثقافتهم وكتبهم ومحاوراتهم وفقههم نيفا وخمسمائة آية ، ويبقى حوالى ستة آلاف آية يتلوها المسلمون – من يتلو منهم – للتبرك واستجلاب رحمة الله التى يظنون أنها تسع كل من يتلو كتاب الله ، حتى وان كان لايفهم معناه أو يحاول وحتى وان كان يخالف مابه عامدا ، فيكون كاذبا ـ مثلا ـ ويقرأ (..ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)) (سورة آل عمران) ، ورب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه .
ان تحفيز رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين لتلاوة كتاب الله بغير فهم ، انما هو تحفيز لمن لم يتل من قبل ، حتى يبدأ فى تلاوته . ولاينبغى أن يفهم هذا التحفيز على أنه حالة مستمرة فى التلاوة الأولى ومابعدها من تلاوات الى يوم القيامة ، فتكون بذلك التلاوة فى حد ذاتها هى المطلوبة حتى ولو لم يكن لها تطبيق ، ولم يعمل بها ، ولاأعتقد أن هذه هى غاية رسول الله – والله أعلم .
كما أن تحفيزه – عليه الصلاة والسلام – لمن يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق ، أن له أجرين ؛ انما يجب أن يفهم منه أن هذا الذى يبدأ بالتلعثم فى التلاوة اليوم ، ثم يداوم عليها ، فأنه لابد أن يجيدها بالتدريج ، ثم يتجاوز التلاوة الى الفهم ، يستعين فى ذلك بمعاجم اللغة ، والاطلاع على بعض من التفاسير – دون الوقوف عندها – وتساعده أجهزة الاعلام والمناهج الدراسية ، كل ذلك فى بضع سنين .
ثم انه بعد ذلك يربط بين آيات الله التى يخبرها فى الحياة ، وبين آيات كتابه ؛ تلك الآيات التى تفوق التسعين بالمائة من الكتاب ؛ والتى ينبغى قراءتها ، واعادة قراءتها وفهمها طبقا لتطور المعارف والعلوم والخبرات .. والتى لا تنقضى عجائبها الى يوم القيامة.
والاختلاف فى فهم تلك الآيات ، ينبغى ألا يفسد للود قضية ؛ حيث يتفق الجميع على أنه لا اله الا الله ؛ وأن محمدا رسول الله ؛ وأن القرآن كتاب الله ؛ ولن يؤدى أى خلاف الى تغيير عدد ركعات الصلاة ، ولا الى تحليل حرام أو تحريم حلال ، ولكنه سيؤدى الى محاولة فهم مضمون رسالة الله لنا فى آيات مثل : (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)) (الفرقان)
أو مثل : (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20)) (المؤمنون).
ان من يحاول أقناعنا بأن الهدف من هذه الآيات ، يقف عند ازدياد الايمان بقدرة الله ؛ انما يريد أن يقف بنا عند الحد الذى كان عليه طفلى ، حين اصفرت الدنيا ثم اسودت ، عصر أحد أيام ربيع عام 1996 ، فعلق متسائلا ( لماذا فعل الله بالدنيا هكذا ؟ ) ، أى أنه – وهو ابن الثلاث سنين يومئذ – يؤمن بوجود الله ، وبأن السموات والأرض وما بينهما من صنعه ؛ وأنه وحده لا شريك له – هو المتصرف فيها . والطفل يسأل فقط عن الحكمة من ذلك .
فهل ينتظر منه ـ أو منا ـ أن نقتصر على ذلك ؟ أم أنه لابد أن نتقدم خطوات نحو فهم آيات الله و نستخلص منها ما نستطيع من قوانين وعلاقات وتفاعلات ونتائج وتاريخ وقصص ، واحتمالات فى شتى التطبيقات ؛ ثم نطبقها فى الحياة .
اننا دائما نردد أن القرآن يحوى كل شىء ، ونحن صادقون فى ذلك ، مؤمنون بقول الله سبحانه (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) (الكهف)
ولكن علينا أن نستخرج هذه الأشياء ؛ وندرك تلك الأمثال ، ونضعها موضع التنفيذ .
ونحن نؤمن أن القرآن هدى للناس ، مؤمنهم وكافرهم – لمن يتدبرون ؛ ويهديهم ربهم بايمانهم .. ونحن محقون فى ايماننا مصدقون بقول الله (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء) فهل هداية القرآن للناس تقتصر على هدايتهم الى وجود الله وأسمائه وصفاته ، والعبادات والمعاملات التى فرضها عليهم فى نحو من ستمائة آية ؟ أم أن كل آيات الكتاب الكريم هدى للناس ؟والله انها كلها هدى للناس .
وبمعنى أكثر تحديدا .. هل يمكن أن أجد – كرجل أعمال مثلا – هدى فى القرآن ؛ فيما يعرض لى من أعمال وأنظمة ادارية وتعاملات ؟
وهل يجد عالم الكيمياء هدى فى القرآن ؟
وكذلك عالم النفس والاجتماع والفلك وكل التخصصات؟
أليس هذا هدى للناس ؟
أم نقصر معنى الهدى على العبادات والمعاملات ؟
ألا أعتبر خطة يوسف عليه السلام لخمس عشرة سنة ؛ حين أخطط لشركتى ؛ فان أنعم الله على بحصاد ، أدخر منه ليوم لاحصاد فيه ؟
ألا تلفت نظر علماء الاتصالات والحشرات ؛ تلك الآية التى يروى فيها الله (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)( (النمل)
فتستنفر هممهم للبحث فى هذا العالم المحترم المنظم ؛ الذى فيه وادى النمل ومساكنه ، فيقول أحدهم : ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذه النملة فأدرك من عالمها ما تدرك من عالمى . فقد علمت منهم نملة أن هذا القادم هو سليمان ـ وهو شخصية معروفة للنمل ، حيث ذكرت النملة اسمه تحديدا ، ولم تقل :هذا رجل قادم ـ وأن من معه جنود ، وهو رئيسهم – أى العلاقة الادارية بينهم – وتوقعت أن يقوموا بتحطيم النمل أثناء سيرهم ، وبأنهم ان فعلوا فانما سيكون فعلهم بغير قصد ، ثم قامت بتوصيل تلك البيانات ومفهومها لها وتعليقها عليها ، وتحذيرها ، الى مجتمعها من النمل فى لحظات ؛ بقول سمعه سليمان فتبسم ضاحكا من قولها .
ولنا – بعد ثورة الاتصالات – أن نتوقع أن وسيلة التخاطب فى مجتمع النمل تتم بواسطة موجات عبر الأثير ، تنتقل بسرعة فائقة ، تسمح للنمل أن يستجيب لنصيحة تلك النملة ، قبل أن يصل اليهم سليمان وجنوده .
ماذا يمكننا أن نتصور ، لو أننا كشفنا عن هذه اللغة ؛ واستفدنا من معارف النمل ؛ واستعملناه فى توقع نوايا أعدائنا وتحركاتهم ، خاصة وأن لدينا الآن من الأجهزة ما نستطيع به أن ندرك الموجات الكهرومغناطيسية التى تملأ الأثير بالصور والأصوات والألوان والموسيقى ، ولا يوجد ما يمنع علميا قياس وادراك ما يخرج من النمل من قول ؛ والذى لابد وأن يكون مميزا بشفرة قد يمكننا حلها .. خاصة بعد تلك الاكتشافات والاختراعات التى توصل اليها فريق العلماء برئاسة الدكتور زويل لقياس جزء من ألف مليون مليون جزء من الثانية ، وأنشأ كاميرات تصور خطوات التفاعلات الكيميائية بهذا المقياس .
ناهيك عن دراسة تلك المساكن ، التى ان دخلها النمل ، تحميه من آثار وطأة أقدام سليمان وجنوده وهم لا يشعرون .
هل نقصر مغزى سرد تفاصيل دقيقة كهذه على الترويح عن رسول الله فى لحظات ضاق به صدره من عنت الكافرين ، أو للرد على يهود وجهوا له أسئلة لاختبار صدقه ؟
ان الله يوبخ من لا يتدبرون القرآن (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24))(سورة محمد)
ربما يخشى البعض ان نحن حددنا معان فى كتاب الله ؛ توحى بعلوم متطورة ؛ أننا بذلك نربط القرآن الثابت النص ؛ بعلوم تتغير كل يوم ، فان نحن نسبنا علما الى كتاب الله ؛ ثم تغير هذا العلم وتطور ؛ أن هذا يحرج موقف الكتاب .
غير أن ما نقصده هو فهمنا النسبى لكتاب الله حسب أفهامنا وخبراتنا ، فان تطورت خبراتنا ؛ فاننا نعيد القراءة ، ونفهم فهما جديدا ؛ ويظل كتاب الله :
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .